السيد محمد الصدر

301

تاريخ الغيبة الصغرى

الملاحظة الثالثة : في فهم الحديث النبوي . أننا بعد أن عرفنا التخطيط الإلهي لليوم الموعود ، نستطيع أن نفهم قوله ( ص ) : يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا . فالظلم والجور ، في عصر ما قبل الظهور ، جزء من هذا التخطيط ، لإيجاد الشرط الثاني للظهور ، وهو توفير قوة الإرادة والاخلاص في الأمة بشكل عام . وقد عرفنا أن هذا يحدث في نسبة ضئيلة من البشر ، ويكون الباقي على مستوى الانحراف والفساد . إذن ، فالأرض تمتلئ ظلما وجورا ، لكن لا بالجبر والاكراه ، من قبل اللّه تعالى أو من غيره ، وإنما باعتبار انصراف الأعم الأغلب من الناس إلى مصالحهم واندحارهم تجاه تيار الخوف والاغراء . وهو لا ينافي توفر شرط الظهور وترسخه في الناس ، متمثلا في تلك النسبة الضئيلة عددا الضخمة أهمية وإيمانا وإرادة . وامتلاء الأرض ظلما ، أمر خارج عن اختيار الفرد بوجوده الشخصي ، وإنما هو ناتج عن الطبيعة البشرية بشكل عام ، المتوفرة في المجتمع الناقص . ويكون تكليف الفرد إسلاميا منحصرا شرعا في تصعيد درجة إخلاصه وقوة إرادته ، عن طريق مكافحة الظلم والعمل على كفكفته ورفعه . لكي يتوفر تدريجا شرط الظهور . وليت شعري ، إن شرط الظهور ، هو هذا المستوى الايماني ، وليس هو كثرة الظلم وامتلاء الأرض جورا ، كما يريد البعض أن يفكروا . لوضوح أن الأرض لو امتلأت تماما بالظلم وانعدم منها عنصر الإيمان ، لما أمكن إصلاحها عن طريق القيادة العامة . بل يكون منحصرا بالمعجزة التي برهنا على عدم وقوعها ، أو إرسال نبوة جديدة ، وهو خلاف ضرورة الدين من أنه لا نبي بعد رسول الإسلام . وإنما تتضمن فكرة اليوم الموعود ، سيطرة الإيمان على الكفر ، بعد سيطرة الكفر على الإيمان . . . مع وجود كلا الجانبين . وهو قول اللّه تعالى بالنسبة إلى المؤمنين : لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ . . . وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً وقوله ( ص ) : يملأ الأرض قسطا وعدلا ، كما ملئت ظلما وجورا .